أخبار سياسية  ومنوعات   للإتصال بالفرسان مواقع صديقة إنضم للجمعية نشاطات الفرسان عن الفرسان الرئيسية

 

 

 

القيادة السورية وصوت العقل
 

بقلم: سامح المهدى

 

 
فرضت دمشق عزلة دولية غير مسبوقة على نفسها، وعلى الرغم من الواقع السياسي الذي بات يفرض نفسه بقوة على المشهد السياسي في منطقة الشرق الأوسط خاصة في العراق "السابق، والحالي"، إلا أن النظام السوري ظل متمسكاً بنهجه وفلسفته السياسية الغريبة التي أثبتت في أكثر من مرة فشلها الذريع، فلا الوضع ولا الزمان يسمح بالانسياق وراء أفكار بالية، ربما كانت في الماضي خط أحمر يصعب الاقتراب منه، فالآليات العالمية الجديدة التي تعتمد على إعمال المنطق والحرية والعدالة في كثير من القضايا، هي السبيل الأوحد لإنقاذ الشعب السوري من واقعه السياسي المرير، كما أن المجتمع الدولي لن يصمت كثيراً أمام الإتكالية السورية على أنظمة لا تستطيع حماية نفسها من شبح الخراب والدمار، الذي لن يتجرع مرارته سوى السوريين أنفسهم، عندئذ لن يختلف مصير النظام الحالي في دمشق عن النظام البعثي السابق في العراق، وإذا كان النظام العراقي قد رفض الخروج من بلاده تحت وطأة الاحتلال الاميركي، فإن النظام السوري أمامه خيار آخر يبدو انه يلقى أفضلية في قصر الرئاسة بدمشق وهو الهروب من البلاد، وإفساح المجال أمام تواجد أجنبي يتكرر للمرة الثانية بعد الاحتلال الإسرائيلي لهضبة الجولان السورية، ولعل استمرار احتلال هذه الأرض ورفض إسرائيل الانسحاب منها، كان في المقام الأول والأخير نتيجة لعدم استجابة النظام السوري الحالي لخوض مفاوضات وخلق قنوات من الحوار مع الطرف الآخر، وهي النقطة الأولى التي تنطلق منها شرارة عودة الأرض المحتلة إلى أصحابها.


على الرغم من ذلك يأبى النظام السوري التخلي عن سياسته المعتادة، على الرغم من أن الظروف المحيطة به سواء في الماضي أو الحاضر أكدت ولازالت تؤكد حتمية التعاطي مع المستجدات التي تفرض نفسها على ارض الواقع، وتتحكم في ميزان القوى بمنطقة الشرق الأوسط على الأقل الم يكن أكثر من ذلك، وإذا كان الرئيس المصري الراحل أنور السادات قد استعاد ارض سيناء المحتلة بعد أن خاض حرباً ضارية مع المحتل، إلا انه استكمل مشوار التحرير من النقطة التي ينبغي أن يبدأ منها النظام السوري الآن، وهي نقطة التحاور والتفاوض مع الطرف الآخر، دون الاستماع إلا للأصوات المنادية بإنقاذ الشعب السوري من ويلات الحروب والمصير المجهول، وغض الطرف عن الأنظمة المكيافيلية، التي لا يعنيها سوى انتشار وتوغل توجهها المذهبي والعقائدي وربما الأمني في دول المنطقة، فلا ينبغي أبداً أن تسدد سورية قيمة هذه الفاتورة، لقد كانت هذه الأنظمة تعادي في الماضي النظام البعثي في العراق، واليوم بعد أن سنحت لها الفرصة المناسبة انفتحت عليه لتحقيق مآربها التوسعية ضاربة عرض الحائط باستقلال دولة عربية وحقها في الحفاظ على سيادتها، في الوقت الذي تدعي التصريحات الصادرة على لسانها أنها ترفض وجود القوات المحتلة في بلد عربي، كما أنها تسعى إلى تزكية روح المقاومة لدى الشعب العراقي، على الرغم من وجود العديد من المؤشرات، التي تؤكد المساعي الخفية لعناصرها المسلحة في بلاد الرافدين.


لقد كان دور المملكة العربية السعودية رائداً في استيعاب الواقع السياسي والأمني الجديد في منطقة الشرق الأوسط، فسعت الرياض بكل طاقاتها إلى إعادة ترتيب الأوراق لعلمها المسبق بعدم نجاعة سياسة النظام السوري الشابة، وإدراكا منها بضرورة الوقوف إلى جانب من تعوزه الخبرة والحنكة، وكانت المبادرة العربية التي صاغتها السعودية وصادقت عليها معظم الأطراف العربية ترجمة حقيقية لإنهاء النزاعات، وكان في صدارة هذه المبادرة شرط الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة والعودة إلى حدود 67، إلا أن سورية الحالية لم تستجب لتلك الجهود، لتعيد الشعوب العربية وليس الشعب السوري فقط إلى المربع رقم واحد مجدداً، انطلاقاً من تلك المعطيات يجب على النظام السوري الإنصات إلى لغة العقل، وترك مساحة واسعة للأصوات السورية الراغبة في إعادة صياغة السياسة السورية بما يتسق مع المنظور المعتدل، الذي يرفض وضع الرؤوس في الرمال ومواجهة الخطر الخارجي بأسلوب متعقل يأبى التفريط في حقوقه، وفي الوقت ذاته ينضم إلى الأسرة الدولية للحاق بركب التقدم والرقي في كافة المجالات، بدلاً من التعلق بأهداب محاور سياسية ينتظرها مصير ملبد بالغيوم، ولن ينعكس ذلك إلا على الشعب السوري، فعلى هذا الشعب تحذير قيادته قبل أن تأكل نيران فقدان الوعي السياسي الأخضر واليابس.. وإنا لمحذرون.